جريدة الكترونية اقتصادية منوعة

كورونا والمسلمون و الفرصة التاريخية

10

بقلم :د. صالح العطوان الحيالي – العراق**

كثير منا متفائل بأن أزمة العالم اليوم بسبب جائحة كورونا قد تعيد معادلات النظام الدولي و تقرب المسلمين من الفَرَج وتكون لصالحهم
اذا كان التفاؤل بالـ”أحاسيس” دون عمل فلا فائدة منه
فعلى المسلمون ان يستغلوا هذه الفرص فإذا لم يستغلوها استغلها أعداؤهم و ليس لنا حينئذ أن نتفائل هكذا من فراغ… ساسة الدول الكبرى يخططون، وإذا جاء ما يفسد خططهم أعادوا التخطيط مرة أخرى، بل وقد يوظفون الحدث الجديد لصالحهم.
روى الإمام مسلم عن المستورد بن شداد أنه قال:
(تقُومُ السَّاعَةُ والرُّومُ أكْثَرُ النَّاسِ. فَقالَ له عَمْرٌو: أبْصِرْ ما تَقُولُ، قالَ: أقُولُ ما سَمِعْتُ مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذلكَ، إنَّ فيهم لَخِصالًا أرْبَعًا)…. اقرا الآن الخصال التي هي سبب قوةٍ وعلوٍّ في ذلك الوقت
قال عمرو رضي الله عنه في وصف الروم في زمانه:
(إنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وأَسْرَعُهُمْ إفاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ ويَتِيمٍ وضَعِيفٍ، وخامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وأَمْنَعُهُمْ مِن ظُلْمِ المُلُوكِ).
ما هذه الخصال :
1. أحلم الناس عند فتنة … يعني لا يصيبهم الارتباك والهلع
عند المصائب..
2. وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة…. آها !
إذاً هناك خطط بديلة و إدارةٌ للكوارث بل وتوظيف لها فيما ينفعهم..
3. وأوشكهم كرة بعد فرة .. لا ييأسون إذا هُزموا بل يجمعون صفوفهم ويكرون.
4. وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف…الاعمال الخيرية تُمَكن للأمم ولو كانت مشركة.
5. وأمنعهم من ظلم الملوك…لا يسكتون على الظلم.
هذه عوامل كانت في الروم زمن عمروٍ بن العاص، ليس شرطاً أنها تتحقق فيهم في كل زمان. لكنها سنن، من أخذ بها علا وازدهرت حضارته…
(كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك).
ومع ذلك لما كان المسلمون أكثر أخذا بأسباب النصر هذه من الروم تغلبوا عليهم وانتصروا.
هل نحن حالياً عندنا هذه المقومات للنصر ؟
النصر والتمكين لهما سنن وأسباب، (ولن تجد لسنة الله تبديلاً)….واللهُ تعالى لم يرهَن عزتنا بمصائب غيرنا، بل رهنها بنصرتنا لدينه: (إن تنصروا الله ينصركم)، رهنها بتغيير ما بأنفسنا: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
فالجلوس وترقُّب الأحداث وانتظار النصر هكذا بلا عمل، هو بطالة ومعاندة لسنن الله.
يقول الحسن البصري
(ليس الإيمان بالتمنِّي، ولكن ما وقَر في القلب وصدّقه العمل، وإن قومًا خرجوا من الدُّنيا ولا عمل لهم وقالوا: (نحن نحسن الظَّنَّ بالله). وكَذَبُوا، لو أحسنوا الظَّنّ لأحسنوا العمل).
(ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب).
الكثير يقول : لكن يمكن ربنا يفرج عنا لأننا على الحق !
كيف يعني على الحق ؟
يعني نؤمن بالله رباً و بمحمد نبيا و رسولا.
تمام، الذي تؤمن به ربَّاً سبحانه قال :
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)
الذي تؤمن به نبياً صلى الله عليه وسلم قال :
(لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي علَى الحقِّ ظاهرينَ لا يضرُّهم من خذلُهم حتَّى يأتيَ أمرُ اللَّهِ)
هل نحن كذلك، نتمسك بالحق ولا نخاف في الله لومة لائم حتى نقول أننا “على الحق”؟
لكي تكون (على الحق) عليك الاخذ بأسباب الفرج والنصر كما أخذ بها نبينا صلى الله عليه وسلم.
حتى تكون على الحق لا يكفي أن تكون لديك معتقدات لا تعمل بحسبها.
الإسلام يعلمك أن تدخل في الحدث وتغير مجراه … لا أن تجلس تنظر إليه مع تناول المكسرات و تقول : أنا متفائل.
بل ويعلمك أن تدخل في سباق الأمم إن استطعت لتوفير ما يلزم من مواجهة الوباء ونتائجه من تطوير وتصنيع معدات طبية واستكشاف علاج وإدارة للأزمات الغذائية وغير ذلك.
المؤلم أن كثيراً من المسلمين “المتفائلين” المنتظرين للنصر، أصبحوا عل العكس من ذلك تماماً، أصبحوا هم أنفسُهم من أسباب ضعف الأمة وتخلفها واستنزاف مواردها والمال العام. مثل الذين يُقَصرون متعمدين في مثل هذه الأوبئة، يقصرون في إجراءات السلامة، بلامبالاة ولا اهتمام بأرواح الناس وصحتهم، والله أعلم في كم يتسبب الواحد منهم من إصابات وتكلفة على المال العام وتعطيل الحياة !
ثم بعد ذلك قد يكون هو ذاته من “المتفائلين” أن يرزقنا الله النصر على أنقاض نكبات الآخرين، ويلوم القدر ويستبطئه إذا تأخر النصر !
– ليس نداؤنا هذه الأيام لهؤلاء :
“أين نصركم لدين الله ؟
أين دعوتكم وجهدكم وجهادكم ؟”
بل أصبح النداء لهم : “كفوا شركم عن المسلمين فقط بالله عليكم، يكفي الأمة ما فيها” !
في آخر حديث أبي ذر قال : (يا رَسولَ اللهِ، أرَأَيْتَ إنْ ضَعُفْتُ عن بَعْضِ العَمَلِ ؟) فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ فإنَّها صَدَقَةٌ مِنْكَ علَى نَفْسِكَ).
وباء كورونا وما يرافقه من بقاء في البيوت فرصة، فهل نستغلها ؟
بعض “المتفائلين” لا يكلف نفسه أن يستغل الجلوس في البيت بأن يتقرب إلى ربه ويصلح شأن أسرته ويتخلص من ذنوبه ويتعلم العلم النافع…بل يتناقل النكات ويستكثر من تخزين المؤن.
كثيرا ما كنا نشتكي :ليس لدي وقت أقرأ هذا الكتاب النافع، ما معي وقت أحضر هذه السلسلة النافعة.
كثيرا ما كنا نشكتي أنا لا نجد وقتا لتربية أولادنا.
الآن فرصة. رجاء إخواني، لا نريد أن نكون تعودنا على البطالة العلمية، على الرتابة.. هذه فرصة لتشتغل على فيروسات الأخلاق والأفكار والعقائد التي تغرس في أبنائك.
ثم العالم الآن في أمس الحاجة إلى الدعوة إلى دين الله تعالى، خاصة مع شعور الشعوب بالضعف والحاجة إلى ربها وخبوت سُعار الشهوة والعربدة التي كانت قد بلغت ذروتها قبل كورونا، ومع ظهور قبح المادية والسقوط الأخلاقي في التعامل مع المرضى المسنين.
تصور لو هؤلاء المسنون يُعرض عليهم تعامل الإسلام مع كبار السن، في هذا الظرف كم يمكن أن تستنقذ منهم من الشرك وتصنع لحياته هدفاً ومعنى وتكون سببا له في سعادة الأبد.
فهل استغللنا هذه الفُرَص ؟
وهل أظهرنا للعالم أهليتنا لأن نقود الناس لخير الدنيا والآخرة

المصدر :نبض الشرق