بقلم:حسين الربيعي**
“التقدم مستحيل بدون تغيير ، وأؤلئك الذين لا يستطيعون تغيير عقولهم ، لا يستطيعون تغيير أي شيء” برنادشو
فرصة الحجر الطوعي لا تعوض في استخلاص نتائج التجارب السابقة التي صنعت الاحداث الحالية، والتفكير بدقة عالية في اسباب الحالة الغريبة التي تعيشها شعوب العالم من اقصاها الى اقصاها ، والتي تتضاعف غرابتها ، وخطورتها في اوضاعنا العربية بشكل عام ، و في الوضع العراقي بشكل خاص .
ان هذا يسوقنا الى استذكار مجمل الاحداث السياسية التي مرت بها بلادنا ، خصوصا بالشأن الاقتصادي ، الذي انتقل من التنظيم الى الفوضى ، ومن الفوضى ، الى الخراب والدمار الكامل ، حيث تخلت الدولة عن مسؤولياتها ، وتقلبت برامج وسياسات الاقتصاد فيها من نهج الى نهج اخر ، حتى وقع الاقتصاد الى رهينة بيد مجموعة من المستغلين والفاسدين وسلطة رأس المال ، بعيدا عن مصالح الغالبية من ابناء الشعب .
وقد يأخذ علينا البعض اننا نطلق تسمية الاقتصاد الاشتراكي على سياسات حكومات عربية وعراقية في ازمنة معينة ، ولكنه ، رغم انه لم تكن هناك سيسات اقتصادية اشتراكية واضحة ، الا انه لا احد ينكر وجود قرارات اشتراكية بين الحين والاخر .
ولكن عملية المراجعة والاستذكار، تؤكد اختلافات واضحة بين اقتصاد اليوم المتوائم مع التوحش الراسمالي ، وبين اقتصاد بشعارات اشتراكية .
فمن الاختلافات بين الاقتصاد الرأسمالي والأقتصاد الأشتراكي ، على الاقل في نماذج عربية لدول انتهجت الاقتصاد المؤدي الى الاشتراكية .
ان النظام الرأسمالي او ما سمي بنظام الانفتاح الاقتصادي ، اعتمد على الاستثمار ، الذي كانت مجالات اهتمامه في مجلات معينة “السياحة ،وتجارة السلع الاستهلاكية” ، ان المستثمر غالبا ما يكون جهة خارجية مرتبطة بشركات اجنبية متعددة الجنسيات ، و للمستثمر “الوطني” علاقات بالاستثمار العالمي … وهدف الاستثمار محصور في تحقيق الربح السريع ، وتبييض الثروات ، ولا اهتمام له بالتنمية الوطنية .
فيما ركز اقتصاد الدول العربية التي سلكت طريقا نحو الاشتراكية ، على تطوير الصناعة ، واقامة المصانع ، والورش الانتاجية ، وعلى اصلاح القطاع الزراعي ، واستصلاح الاراضي البور وتحويلها الى اراضي زراعية منتجة ، وبناء السدود والنواظم المائية، والقضاء على الاقطاع ،وتوزيع الاراضي الزراعية على الفلاحين” ، وقد حققت تنمية وتقدم في مجالات متعددة ، ساهمت كثيرا في رفع مسنويات المعيشة للمواطن .
في الظرف الراهن ، الذي شهد تراجعا اقتصاديا غير مسبوق بسبب ما يتعرض له العالم من تفشي فايروس “كوفيد 19” ، والتي اظهرت كل عورات الانظمة الرأسمالية الكبرى في العالم ، وجراء الاثار الكبرى على دول العالم الثالث ، ومن بينها بلادنا .. يتبين لكل ذي عقل ، صحة النهج نحو الاشتراكية ، على النهج الرأسمالي الاستثماري .
لقد تعطلت غالبية القطاعات التي تفشت وانتشرت في ظل السياسات الاقتصادية للانظمة المتناغمة ، او المتجاوبة للضغوط السياسية الاقتصادية الخارجية، والتي فرضت تصفية القطاع العام الانتاجي ، اوخصخصته، “بعض الاحيان اهماله المتعمد كما يظهر في عدة دول عربية ، من بينها مصر والعراق” .
وقد تبين بعد ان اغلقت العديد من الدول حدودها، ومنعت تصدير منتجاتها الى الخارج ، مدى الحاجة الى سياسات وخطط لتنمية الاقتصاديات الوطنية بشكل عام ، واقتصاديات القطاع العام بشكل خاص ، تمكن بلداننا من الاستغناء عن الحاجة للغير ، على الاقل في الحاجات اليومية والرئيسية، وتحقيق الأكتفاء في مجال الامن القومي “الغذائي والصحي” .. ان هذه السياسات يجب ان تنهل من الفكر الاقتصادي الاشتراكي ، لكي تحقق اعلى درجات النجاح .
ان اقسى اضرار السياسة الاقتصادية الراسمالية في بلادنا ، تجسدت في اهمال كل المؤسسات العامة في مجالات رعاية وحماية المواطن العراقي ، ومن بينها المؤسسة الصحية العامة، لصالح و مصلحة القطاع الطبي الخاص ، الذي يقوم على مبدا تحقيق الربح اولا وقبل كل شيء ، وليس من اهدافه تقديم رعاية صحية مجانية على الاطلاق .
ان اي نظام اقتصادي لا يقوم على نهج العدالة الاجتماعية والمساواة “المساواة في العمل والدخل والتعليم والحماية الصحية والاجتماعية” ، سوف يسقط ويهزم سريعا امام اي محنة اخرى مثل او اكبر من محنة كورونا .
ان هذا النظام السياسي الاقتصادي ، لا يقيمه ، او يقوده .. او حتى يطالب به ، الا، قوى الشعب العامل “عمال ،فلاحين ، كسبة ، مثقفين ، صغار الموظفين ، وجنود” .
ان كل هذه الطبقات التي تكون الاغلبية من الطبقات الشعبية ، وهي الاكثر تضررا ، خصوصا اثناء الازمات ، لا تستطيع على الاطلاق تحقيق مرادها ومطالبها ، ولن تستطيع ان ترتقي بحياتها الى حياة الأنسانية الكريمة ، بدون وحدتها وتضامنها ، في تشكيلاتها النقابية والسياسية .
ان هكذا نضال وطني طبقي “متوائم مع نضال وطني عراقي ضد استبداد وهيمنة واحتلال اجنبي” يحتاج الى نفس طويل ، والى درجة من الصبر والمطاولة ، والى الوحدة والتضامن .
نأمل ان تكون جائحة كورونا ، وكل الأختلالات التي احدثتها وفي كل المجالات ، خصوصا في مجال الاقتصاد العالمي والخسائر التي لم تكن متوقعة في تخمينات الساسة و الاقتصاديين ، “والتي كان من مردوداتها خسائر مادية واقتصادية كبيرة على بلادنا فيما يخص تهاوي وانخفاض اسعار النفط” ..
نأمل ان تكون هذه الاختلالات .منطلقا ومنصة في اعادة الوعي بالفكر الاشتراكي ، والترويج له ، خصوصا بين طبقة الشباب ” بنية تغيير حقيقي الى الاحسن بقيادة هذه الطبقة الشبابية الوطنية الاشتراكية الواعية .
المصدر :نبض الشرق